صديق الحسيني القنوجي البخاري

347

أبجد العلوم

صناعة المنطق إذ لم تكن قبله مهذبة ، وهو أول من رتب قانونها واستوفى مسائلها وأحسن بسطها ، ولقد أحسن في ذلك القانون ما شاء لو تكفل له بقصدهم في الإلهيات . ثم كان من بعده في الإسلام من أخذ بتلك المذاهب واتبع فيها رأيه حذو النعل بالنعل إلا في القليل وذلك أن كتب أولئك المتقدمين لما ترجمها الخلفاء من بني العباس من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي تصفحها كثير من أهل الملة وأخذ من مذاهبهم من أضله اللّه من منتحلي العلوم وجادلوا عنها واختلفوا في مسائل من تفاريعها . وكان من أشهرهم أبو نصر الفارابي في المائة الرابعة لعهد سيف الدولة . وأبو علي بن سينا في المائة الخامسة لعهد نظام الملك من بني بويه بأصبهان وغيرهما . واعلم أن هذا الرأي الذي ذهبوا إليه باطل بجميع وجوهه ، فأما إسنادهم الموجودات كلها إلى العقل الأول واكتفاؤهم به في الترقي إلى الواجب فهو قصور عما وراء ذلك من رتب خلق اللّه ، فالوجود أوسع نطاقا من ذلك ويخلق ما لا تعلمون وكأنهم في اقتصارهم على إثبات العقل فقط والغفلة عما وراءه بمثابة الطبيعيين المقتصرين على إثبات الأجسام خاصة المعرضين عن النقل والعقل المعتقدين أنه ليس وراء الجسم في حكمة اللّه شيء . وأما البراهين التي يزعمونها على مدعياتهم في الموجودات ويعرضوا « 1 » على معيار المنطق وقانونه فهي قاصرة وغير وافية بالغرض . أما ما كان منها في الموجودات الجسمانية ويسمونه العلم الطبيعي فوجه قصوره أن المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود والأقيسة كما في زعمهم وبين ما في الخارج غير يقينية « 2 » لأن تلك أحكام ذهنية كلية عامة والموجودات الخارجية متشخصة بموادّها ولعل في المواد ما يمنع من مطابقة الذهني الكلي للخارجي الشخصي اللهم إلا ما يشهدوا له الحس من ذلك فدليله شهوده لا تلك البراهين ، فأين

--> ( 1 ) في المقدمة ( ص 597 ) : « ويعرضونها » وهي الصواب . ( 2 ) في المقدمة ( ص 597 ) : « غير يقيني » .